في خطوة مفاجئة تعكس تغيرات استراتيجية في سياسات الاتحاد الأوروبي، كشفت تقارير إعلامية موثوقة عن نية بروكسل التراجع عن خطتها السابقة لفرض ضريبة رقمية موحدة على الشركات التكنولوجية العملاقة، وفي صدارتها شركتا “أبل” و”ميتا” الأميركيتان. هذه الخطوة تأتي قبل أيام فقط من إعلان الاتحاد الأوروبي عن مقترحه النهائي لميزانية الفترة 2028-2035، الذي كان متوقعًا أن يتضمن بنودًا تتعلق بالضريبة الرقمية المثيرة للجدل
المحتوي
حسابات سياسية ودبلوماسية معقدة تقف خلف القرار
شهدت الأشهر الأخيرة اتساع نطاق التوتر بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على خلفية الخطط الأوروبية لفرض ضرائب رقمية جديدة كانت ستدر على ميزانية الاتحاد مليارات اليوروهات، حيث كشفت تقديرات أن ضريبة بنسبة 5% مثلًا كان من الممكن أن تدر حوالي 37.5 مليار يورو في عام واحد، ما يعادل نسبة كبيرة من ميزانية الاتحاد ويُسهم في معالجة ديونه الناتجة عن أزمات سابقة مثل جائحة كورونا.
ومع اقتراب مفاوضات حاسمة حول اتفاقية تجارية شاملة بين بروكسل وواشنطن، جاء التراجع الأوروبي كمبادرة رأب صدع تهدف إلى تهدئة الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب، الذي هدد في أكثر من مناسبة باتخاذ إجراءات تجارية انتقامية ضد السلع الأوروبية حال فرض ضرائب تستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة.
تتجلى حساسية الموقف في قرار مشابه اتخذته كندا مؤخرًا، حين تراجعت عن تطبيق ضريبتها الرقمية استجابةً لضغوط وتهديدات أميركية بفرض رسوم جمركية جديدة، وهو الأمر الذي حدا ببروكسل للتفكير في جدوى الاصطدام من أجل ضرائب قد تضر بالمصالح الإستراتيجية الأوروبية.
ضغوط داخلية وتصفية أولويات
لم يكن التراجع الأوروبي وليد الاتفاقيات الدولية فقط، بل لعبت حسابات داخلية كذلك دورًا محوريًا، حيث تفضل بعض الدول الأعضاء انتهاج “الحلول التوافقية” على التصعيد مع الشركاء عبر الأطلسي. كذلك، أظهرت مسودة ميزانية الاتحاد للسنوات المقبلة استبعاد الضريبة الرقمية لصالح بدائل مثل ضرائب على التبغ أو الأجهزة الإلكترونية المهملة، إلى جانب رسم إضافي على الشركات الضخمة ذات الدورة المالية المرتفعة في السوق الأوروبية، دون أن تستهدف بذلك شركات التقنية الأميركية تحديدًا.
استمرار الرقابة الأوروبية وعدم إعفاء عمالقة التقنية
رغم هذا التحول التصالحي، أكد مسؤولون أوروبيون أن تخفيف قبضة الضرائب لا يُعني بالضرورة منح الشركات الأميركية “شيكًا على بياض”، إذ تستمر جهود بروكسل في ملاحقة تلك الشركات على خلفية قضايا تتعلق بالضرائب التقليدية، وحماية البيانات الشخصية طبقًا للائحة GDPR، إضافة إلى التزامات صارمة بموجب قانون الأسواق الرقمية الجديد (DMA). وقد تم تغريم “أبل” و”ميتا” أكثر من 700 مليون يورو مؤخرًا لمخالفتهم قواعد الاتحاد، ما يعكس استمرار السياسات التنظيمية الصارمة.
انتظار الإعلان الرسمي… ومصير غامض للضريبة الرقمية
حتى اللحظة، لم يصدر قرار رسمي نهائي عن الاتحاد الأوروبي بخصوص الضريبة الرقمية، حيث من المتوقع أن تُكشف تفاصيل مقترحات الميزانية الجديدة يوم الأربعاء القادم. وسيتحدد من خلال هذه الوثيقة الرسمية مصير فكرة فرض ضريبة على الشركات الرقمية، وكذلك حجم التأثيرات المحتملة لهذا القرار على العلاقات الاقتصادية والسياسية بين ضفتي الأطلسي.
يبقى تعليق خطة الضريبة الرقمية مؤشرًا على “نضج البراغماتية الأوروبية”، إذ تسعى بروكسل لإعادة تموضعها بين الحفاظ على شراكاتها التجارية وحماية مصالحها السيادية، بعيدًا عن مناخ المواجهات الحادة مع الولايات المتحدة وعمالقة وادي السيليكون. كما يرسل رسالة ضمنية مفادها أن “التحالفات الاقتصادية” قد تسبق أحيانًا الجدوى المالية في أولويات صانعي القرار الأوروبي.
تعرف على: صدمة في صناعة الذكاء الاصطناعي: هل تتخلى “ميتا” عن سياسة الانفتاح لصالح النماذج المغلقة؟
